تستعد العاصمة الإسماعيلية لدخول مرحلة جديدة في مسار تحديث بنيتها التحتية بعد الإعلان عن إطلاق مشروع تشييد ملعب كبير لكرة القدم بمدينة مكناس بكلفة إجمالية تقدر بنحو 600 مليون درهم، أي ما يعادل 60 مليار سنتيم، وذلك في إطار شراكة استراتيجية تجمع بين الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ووزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة ومجلس جهة فاس–مكناس وجماعة مكناس، حيث يهدف هذا الاستثمار الضخم إلى سد العجز الحاصل في المنشآت الرياضية الحديثة بالمنطقة ومواكبة الطفرة الكروية الشاملة التي تشهدها المملكة، مع توفير فضاء رياضي متكامل يراعي المعايير التنظيمية المعاصرة ويلبي تطلعات الجماهير العريضة والأندية المحلية بالجهة.
تمويل المؤسسات العمومية وتوزيع الأعباء الاستثمارية
يرتكز هذا المشروع الرياضي الهام على الهندسة الماليّة المتعددة الأطراف التي تعتمدها القطاعات الحكومية والمجالس المنتخبة لتنفيذ المنشآت الكبرى، حيث تتوزع المساهمات المالية بين القطاعات الوزارية والجامعة الملكية والفرق الترابية المعنية لتقاسم التكاليف وضمان تدفق التمويلات وفق جدول زمني محدد، وتسمح هذه الصيغة التشاركية بتخفيف الضغط على الميزانيات المحلية المباشرة مع توجيه الموارد نحو مشاريع ذات تأثير مجالي واقتصادي ملموس، مما يعكس نضج آليات الحكامة الترابية في إدارة الاستثمارات الموجهة للشباب والرياضة داخل نفوذ جهة فاس مكناس.
ويرتقب أن تشمل التجهيزات المرافقة للمشروع إنشاء مرافق لوجستية وإدارية حديثة وفضاءات مجهزة بوسائل التكنولوجيا المتقدمة لاستقبال وسائل الإعلام والصحافة، إلى جانب تصميم مدرجات ومنافذ تستجيب لمتطلبات السلامة وتسهيل حركة الجماهير وضبط المداخل عبر بوابات إلكترونية، فضلاً عن تهيئة مواقف سيارات واسعة وشبكات طرقية محيطة لضمان انسيابية المرور أثناء المباريات والتظاهرات الكبرى، وهو الموضوع الذي يتابعه فريق رادار المغرب لتقييم أثره المباشر على البنية الحضرية للمدينة.
العوائد الاقتصادية والمكاسب الاستثمارية للمنظومة المحلية
يتجاوز الأثر التنموي لبناء هذا الصرح الرياضي حدود كرة القدم ليلقي بظلاله الإيجابية على النسيج الاقتصادي والخدماتي بمدينة مكناس والمناطق المجاورة لها، إذ يُنتظر أن تسهم أعمال البناء والتشييد في خلق مئات مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، لتتواصل الحركة الاقتصادية بعد الافتتاح عبر تنشيط قطاعات الفندقة والمطاعم والنقل والتجارة بمناسبة تنظيم المباريات الوطنية والدولية، مما يمنح العاصمة الإسماعيلية فرصة حقيقية لاستعادة بريقها وتنشيط دورة اقتصادها المحلي المعتمد على الخدمات والسياحة والتجارة.
وتكتسي هذه الخطوة أهمية بالغة بالنظر إلى التأثير المباشر للملاعب الحديثة في جذب الفعاليات التجارية والأنشطة الموازية، حيث تُظهر التجارب الوطنية السابقة أن تأهيل البنية التحتية الرياضية يسهم بشكل مباشر في رفع جاذبية المدن للاستثمارات الخاصة في قطاع الخدمات، كما يعزز قدرة الأندية المحلية على تنويع أساليب تسويق علاماتها التجارية وتنمية مداخيل التذاكر والرعايات، وهو ما نتابعه بانتظام عبر تحليل السياسات التنموية في قسم أخبار وطنية على منصة رادار المغرب.
إعادة التوازن الاستثماري وضمان الحكامة في التشغيل
يكشف ضخ 60 مليار سنتيم في مشروع رياضي بمدينة مكناس عن تحول واعي في الاستراتيجية الوطنية للعدالة المجالية، حيث تهدف الدولة إلى عدم حصاد ثمار التنمية الرياضية في المحاور الكبرى فقط كالرباط والدار البيضاء وطنجة، بل تسعى إلى دمج المدن التاريخية ذات القاعدة الجماهيرية العريضة ضمن الدينامية الوطنية الدائرة استعداداً لاستضافة الاستحقاقات القارية والدولية، وتنسجم هذه المبادرة مع التوجهات الرسمية المحددة عبر وزارة الشباب والرياضة لضمان توزيع عادل ومستدام للمنشآت الكبرى بين مختلف أقاليم المملكة.
ويكمن التحدي الحقيقي الذي يفصل بين نجاح هذا الاستثمار أو تحوله إلى عبء مالي في صياغة نموذج تدبير مستدام يستوعب مصاريف الصيانة التشغيلية المستمرة بعد تسليم المفاتيح، حيث تتطلب هذه الصروح الكبرى موارد مالية دائمة لإدامة جودة العشب والتجهيزات التقنية والأمنية، وهو ما يقتضي فتح باب الشراكة مع القطاع الخاص واستغلال مرافق الملعب في الأنشطة التجارية والثقافية طيلة أيام السنة، وتجنب الاعتماد الكلي على المنح الحكومية أو الميزانيات الجماعية المحدودة، ويمكن الاطلاع على المزيد من التحليلات الاستراتيجية حول مالية الأجرأة والمشاريع العمومية في قسم التحليلات الاقتصادية على رادار المغرب.
آفاق إنجاز المشروع والرهانات الزمنية المرتقبة
بناءً على المعطيات المتاحة ومسارات التمويل الشركاتي المعلنة، يُنتظر أن تسارع الجهات المختصة في إخراج الدراسات التقنية النهائية واستكمال مساطر وعاء العقار لإطلاق طلبات العروض الخاصة بالأشغال في أقرب الآجال، حيث ستكون الأشهر المقبلة حاسمة في اختبار قدرة المتدخلين المحليين والوطنيين على الالتزام بالأجندة الزمنية المسطرة وضمان جودة التشييد، بما يعزز تموقع العاصمة الإسماعيلية كقطب رياضي واقتصادي بارز قادر على احتضان المنافسات الوطنية الكبرى وإعادة الدفء لشغف جماهيرها التاريخية.
